Breaking

Home Top Ad

Post Top Ad

الاثنين، 14 أكتوبر 2013

رسالة من أمام كشك العيش: قصة قصيرة مؤثرة بقلم الأستاذ قطب عفر (عام 2000)

رسالة من أمام كشك العيش.. صراع الكرامة والرغيف

قصة قصيرة كتبها الأستاذ "قطب عفر" تأثراً بموقف مر به منذ أكثر من عشر سنوات، عندما حاول الحصول على عدة أرغفة من الخبز فاصطدم بواقع مرير...

رسم كاريكاتوري يمثل زحام طابور العيش

منذ الساعات الأولى من الفجر يقف الخلق جميعاً أمام هذا الصرح العملاق؛ مكانه لا مكان، أمام كشك العيش الذي يتكون من عدة ألواح خشبية لا تزيد مساحته عن المتر ونصف طولاً ومتر ونصف للعرض.

إلا أنه بهذه المساحة الصغيرة، يحتل ما بين المنشآت التي نراها مكانة مرموقة تتجاوز السدود والحدود والقيود أيضاً.

بين دار المناسبات وقصر الثقافة

يقع هذا الكشك ما بين مبنيين؛ أحدهما دار للمناسبات والآخر قصر للثقافة.

أما عن المبنى الأول (دار المناسبات)، فلقد أُعد لمقابلة الوفود التي أتت من كل حدب وصوب لكي تواسي أسرة الفقيد، ثم يتناوب قراءة القرآن شيخان، وتنتهي الليلة بعبارة الأسطى عبدالله المشهورة: "إن لا عزاء للسيدات بعد اليوم"، وكأنه يذكرهم بأن العزاء الليلة القادمة بمنزل أسرة الفقيد. ثم يغادر القوم دار المناسبات، لا يعلم أحدهم مَن عليه الدور المرة القادمة.

لا يقتصر دور هذه الدار على الأحزان فقط، وإنما قُد أُعدت أيضاً لإقامة الأفراح والليالي الملاح. فيمكن أن تُجرى فيها مناسبة فرح، ثم يأتي الأهل والأقارب بالعروسين، وقد شُيّد لهم مسرح يحل محل الشيخين. ثم تبدأ الفرقة التي لا تستطيع أن تميز في أدائها ما بين الغناء والرقص! وما إن توشك الفرقة أن تنتهي من الغناء حتى يجذب أحد المطربين العروسين للرقص؛ لا لأنه سعيد بهما، ولكن ليستنفد من الوقت ما تبقى من رصيد لأنه لا يملك من الأغاني ما يغطيه.

أما عن المبنى الآخر (قصر الثقافة)، والذي يتكون من عدة قاعات ومسرح وقاعة عرض سينما وكتب لمشاهير الكُتّاب والأدباء والفلاسفة في شتى علوم الدنيا.. إلا أن الناس قد شغلتهم لقمة العيش عن القراءة، فمن يقرأ أو يسمع حتى؟ هكذا رحل زمن العقاد وطه حسين وأساتذتنا الكبار أمام زمن لا يعرف القراءة ولا كيفية استخدام حروف الهجاء.

سيدة القصر.. وفرعون الطابور

نعود ونلتقي مع ضيفنا الكبير الذي هو محور حديثنا وألمنا ومصيبتنا في هذه المرة؛ فهو النجم الساطع واللامع والذي تدور في فلكه تلك المنشآت التي ذكرناها سابقاً.

ينقسم الناس أمام هذا الصرح الاستراتيجي الخطير والعملاق المهيب وكأنه لا مكان إلا قسمين:

  • القسم الأول: يقف في الطابور الذي يتحرك بطيئاً جداً، هذا إن كانت هناك حركة!! حتى أني سمعت أحدهم يبارك للآخر أنه قد وصل إلى الشباك الخاص بالكشك، وبحمد الله وفضله سوف يحصل على خمسة أو ربما عشرة أرغفة يفطر بهم هو وأولاده.. وهو وحظه إذا وجد الخبز أصلاً صالحاً للاستخدام الآدمي.
  • القسم الثاني: فهو ذو مصالح مشتركة بينه وبين "سيدة القصر" التي تعيش عصر الفتوات أيام الحسينية والجمالية قديماً. فعندما يغيب القانون والدولة وتتراجع كل القيم والمبادئ، تصبح هي القانون النظامي والسلطان في زمانه. فلتصمت وتكن محترماً ولا ترفع صوتك حتى لا تغضب عليك وتقذفك بأبشع الشتائم، ويُحرم عليك مهما وقفت هنا أن تحصل على سحلة العيش المتكورة.

مشهد يذكرنا بفرعون عندما يدخل النار ومعه قومه.. فرعون نعم، أما قومه فلماذا؟ لأنهم هم الذين أوصلوه إلى هذه الحالة فاستهان بهم دنيا وآخرة.

انسحاب ودموع تأبى السقوط

فعندما يئست كل قدم ويد لي من الوصول إلى الشباك، خرجت من الطابور بعد أن وقفت فيه أكثر من ثلثي الساعة أمام درجات السلم الخاصة بقصر الثقافة، وأنا أرى بنفسي أحدهم من المعارف لـ "سيدة القصر" يقف بعيداً أو يدخل قليلاً من باب الكشك بمنتهى الهدوء ليحصل على ما يريد من العيش.. ربما عشرون رغيفاً، بل إني رأيت أحدهم يأخذ أربعون رغيفاً مرة واحدة ولم يتهادى طرف جلابيته حتى بالهواء!

أصبحت الساعة الثامنة إلا الربع، ويجب أن أخطو سريعاً لألحق بعملي كمدرس بالمدرسة الابتدائية، وإلا سيشطب المدير على اسمي وأخسر يوم كامل من العمل ويُخصم من مرتبي، وأنا لم أكد أحصل على هذه الوظيفة إلا منذ شهور بعد انتظار دام اثني عشر سنة كاملة.

لم تكد تخطو قدمي عدة خطوات، وأنا أنظر إلى ذلك الكشك بلونه الأخضر الباهت وأجسام الناس تتراص أمامه ومن حوله، إلا وتجلدت حتى لا تتساقط من عيني الدموع دون وعي. وعندما شرعت في الانعطاف يميناً ومتجهاً إلى منزلي، وجدت أحدهم، وهو زميل في مهنة التدريس وله صلة قرابة بـ "سيدة القصر"، يعرض عليّ أن آخذ رغيفين لأفطر بهما، فرفضت ومنعتني عزة نفسي. فعاود العرض مع إلحاقه بجملة: "إنه سيرمي هذه الأرغفة لتكون فطوراً لمواشيه!". فتمنعت ورفضت وأنا أشيح بوجهي.

"ولم أعرف هل أبكي وأترك العنان لعيني تذرف الدمع على عرضه الذي أحزنني؟ أم على عدم تمكني من الحصول على خمسة أرغفة أفطر بهما أنا وزوجتي وابني؟ أم على تعليمي العالي وتمسكي بالأخلاق والأدب؟ فهل يجب أن أتجرد من كل إنسانية وأصبح فظاً ذو صوت عالي وألفاظ قذرة حتى أحصل على أقل الحقوق من أرغفة الخبز، أم أنأى بنفسي بعيداً وأعتاد الأمر؟"

الأستاذ قطب عفر .. يرحمه الله ويغفر له

بقلم: أ. قطب عفر (رحمه الله)

مدرس ابتدائي

كُتبت في: 2-10-2000


قصة قصيرة اخرى كتبها الاستاذ قطب: التلفزيون والكشاف: قصة قصيرة من ذكريات الأستاذ قطب عفر (ميت أبو الكوم)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Bottom Ad