Breaking

Home Top Ad

Post Top Ad

الثلاثاء، 8 أكتوبر 2013

التلفزيون والكشاف: قصة قصيرة من ذكريات الأستاذ قطب عفر (ميت أبو الكوم)

التلفزيون والكشاف: قصة قصيرة، بقلم أ. قطب عفر

الأستاذ قطب عفر .. يرحمه الله ويغفر له

الأستاذ: قطب عفر.. يرحمه الله ويغفر له

تبدأ قصتنا في سبعينيات القرن الماضي، بطلها الذي رواها لنا بنفسه، كان طفلاً يذهب في كل يوم لمشاهدة التلفزيون بمركز شباب ميت أبو الكوم. في ذلك الوقت، لم يكن التلفزيون قد انتشر بالقرية، إذ لم تكن هناك كهرباء سوى "المولد المركزي" الذي كان يعمل لساعتين فقط عند أذان المغرب.

معضلة الظلام ومسلسل السابعة

لم تكن المشكلة في عدم وجود الكهرباء في حد ذاتها، فالأهالي في كل قرى مصر كانوا معتادين على استخدام لمبات "الجاز" وما شابهها. إنما كانت المشكلة بالنسبة له في سنه الصغير، أنه عند العودة للمنزل يكون الظلام قد لامس أرضية الشوارع؛ "بحيث أنك إذا لم تركز وتمشِ ببطء فربما تصطدم بأحدهم"، هكذا قالها المدرس الظريف صاحب القصة.

لم يكن يمر على باله أن يتخلى عن مشاهدة التلفزيون، وخصوصاً "مسلسل السابعة" الذي كان يتابعه ويندمج معه. كان يذهب بعد العصر مباشرة، وينتظر أن يتكرم المسؤول بتشغيل المولد الكهربائي المركزي حتى يستطيعوا تشغيل التلفزيون في مركز الشباب. وعندما يؤذن المغرب، تبدأ الحرب الداخلية في نفسه (بين الخوف من الظلام وحب التلفزيون)، إلا أن التلفزيون كان يكسبها في كل يوم.

حلم الكشاف والقرش صاغ

بعد تفكير طويل، لاح الحل أمامه عندما مر أمام دكان "الحاج فاروق قصالي" (رحمه الله)، فرأى كشافاً معلقاً خلف الرجل. سأله بلهفة: "بكم هذا الكشاف يا عم فاروق؟"
أجابه الرجل بأن سعره 40 قرشاً بدون البطاريات، وسعر البطاريات 10 قروش. إذاً، الحل يتمثل في 50 قرشاً وتنتهي المعضلة! بهذا الكشاف سينير طريقه عند العودة للمنزل ولن يقلق من شيء، مما سيعطيه الفرصة للاستمتاع بالتلفزيون أطول فترة ممكنة.

كان مصروف بطلنا اليومي وهو في المدرسة الابتدائية "قرش صاغ" واحد في اليوم. فأمسك عقله، وربط الحزام على بطنه، وانتوى توفير المبلغ. بقي 35 يوماً ممتنعاً عن صرف القرش صاغ، وأصبح معه 35 قرشاً كاملاً. ولكن.. جاءت الفاجعة! رأته أمه يخفي المال، فأخذته منه ودمرت الحلم في ثوانٍ. ليفقد الأمل نهائياً، وبعد أن كان في كل يوم ينظر إلى الكشاف في دكان الحاج فاروق عند العودة من المدرسة، أصبح يشيح بنظره بعيداً حتى لا تقع عينه عليه ويتحسر.

بارقة أمل من القرآن الكريم

مرت أيام قليلة، وجاء أحد مدرسيهم ليعلن عن مسابقة لحفظ القرآن الكريم تنظمها الإدارة التعليمية بتلا. ولأنه كان حافظاً لسبعة أجزاء كاملة، تقدم هو واثنان من أصدقائه في الكُتّاب. ذهبوا وقرأوا أمام لجنة الاستماع، وفي نهاية المسابقة، تم الإعلان أن الثلاثة قد حصلوا على جوائز مالية.

عاد إلى القرية وتخيل أنه سيتسلم الجائزة المقدرة بـ 2.5 جنيه في اليوم التالي. بات يحلم بامتلاكه للكشاف الذي سينير له طريق التلفزيون. لكن مرت أيام، وشهر ونصف، حتى عاد بأحلامه إلى أرض الواقع ونسي الكشاف.

صدمة في مكتب الناظر

بعد شهر ونصف، أرسل ناظر المدرسة في طلبهم. هرعوا الثلاثة يسيرون في طابور عسكري خلف "الحاج عبد السلام"، تنتظم خطواتهم بكلمات "يمين شمال" حتى وصلوا أمام "البهو العسكري" للناظر (فمنطقة مكتب الناظر كانت تعامل كمنطقة عسكرية ممنوع الاقتراب منها!).

أخبرهم الناظر أنهم حصلوا على مكافآت مالية قدرها 2.5 جنيه لكل منهم. صرخت السعادة في قلبه، وتراقصت دقاته؛ "حصلت على الكشاف والبطاريات، وسأستمتع بمصروف سخي، وباقي المبلغ أورّده ليد أمي بسعادة صلاح الدين الأيوبي عند استعادة القدس!"

ولكن للأسف، جاءت كلمات السيد الناظر كسيفٍ على أذنه الصغيرة:
- "فلترى يا حاج عبد السلام، هم الأولاد دول دفعوا المصاريف ولا لسه؟"
فتح الحاج عبد السلام الدفتر وقال: "لا، لم يدفع أحد من الثلاثة المصاريف!"
- "إذاً، فلترى كم عليهم؟"
دقق الحاج عبد السلام وقال: "مطلوب من كل تلميذ 2.75 قرش".

تلوّن وجه بطلنا، وهربت الدماء إلى قلبه تختبئ من هول الصدمة، قائلاً لنفسه: "إذاً لن نحصل على شيء!".
قال الناظر بصوته العميق وبدلته الزرقاء وهو يهز خيزرانته:
- "المفروض أن لكم عندنا 2.5 جنيه، ولكن عليكم كمصروفات 2.75 جنيه، فسنتجاوز عن الربع جنيه وهنيئاً لكم بدفع المصروفات.. انتباه، لليمين دُر، على الفصل معتدل مارش".

"يمين شمال.. يمين شمال.. وضاع الحلم إلى الأبد، وحتى يومنا هذا، لم يشترِ بطلنا الكشاف ولا البطاريات!"

قصة قصيرة اخرى كتبها الاستاذ قطب: رسالة من أمام كشك العيش: قصة قصيرة مؤثرة بقلم الأستاذ قطب عفر (عام 2000)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Bottom Ad