ميت أبو الكوم.. حلم السادات "النموذجي" الذي توقف برحيله
تحقيق: إبتسام فتوح - سمر جابر | نقل وتوثيق: م. سمير قنبر (أرشيف مدونة ميت أبو الكوم)
مسؤول بجمعية تنمية المجتمع بالقرية: "السادات كان عايزها قرية نموذجية ولكن وفاته حالت دون ذلك"
سكرتير الوحدة المحلية بالقرية: "طرقنا كل الأبواب بعد اغتيال السادات لاستكمال تنمية القرية ولم يستجب أحد"
تعتبر قرية ميت أبو الكوم التابعة لمركز تلا بمحافظة المنوفية، مسقط رأس الرئيس الراحل محمد أنور السادات، نموذجاً لمشروع تنموي طموح توقف في منتصف الطريق. أنفق السادات على تطويرها والنهوض بها قرابة 5 ملايين جنيه من قيمة جائزة نوبل وعائدات كتابه "البحث عن الذات"، وحتى بعد وفاته لم ينسَ قريته؛ فقد تبين أنه ترك 7 ملايين جنيه في أربعة فروع للبنك الأهلي المصري مودعة باسم القرية.
وبالرغم من هذه الميزانيات، لم يكتمل حلم السادات بأن تكون قريته إحدى القرى النموذجية الكبرى في مصر، وأغلقت كل الأبواب في وجوه من طالبوا من أهالي القرية باستكمال هذا المشروع النهضوي بعد اغتياله.
ملف "بلوكات السادات" السكنية وأزمة الـ 23 شقة
لم تشهد القرية منذ وفاة السادات عناية ملموسة حتى فترة قريبة، سوى من ابن أخيه النائب محمد أنور السادات الذي قام عقب نجاحه في الانتخابات البرلمانية برصف وإصلاح طرق القرية.
عند السير في ميت أبو الكوم، تلاحظ طرازاً معمارياً فريداً وموحداً من الحجر الجيري يغطي مساحات واسعة، وهي الوحدات السكنية المعروفة باسم "بلوكات السادات". بعد استشهاده، تبقت 23 شقة من هذه البلوكات معلقة دون تسليم، ولم تُوزع على الأهالي إلا في عام 2002م؛ وذلك بعد أن قام مجلس المدينة بإجراء قرعة علنية لتحديد المستحقين عقب نزاعات ضخمة واجهت المسؤولين لسنوات حول أولوية الاستحقاق.
شهادة محمد العوني: كيف بدأت ملحمة الإعمار؟
يروي الأستاذ محمد العوني، سكرتير الوحدة المحلية الحالي وعضو لجنة الشؤون الاجتماعية التي شكلها السادات للإشراف على المشروع، كواليس البداية قائلاً:
"أحدث السادات نقلة نوعية للقرية؛ حيث كانت معظم المساكن القديمة عبارة عن بيوت من الطين والطوب النيئ غير المؤهلة للإقامة الآدمية. بدأ السادات المشروع بشراء قطعة أرض خالية بمساحة 6 قراريط، وبنى عليها الدفعة الأولى من الشقق، ثم اشترى بيوت بعض الأهالي القديمة المتهالكة وقام بإسكانهم في الشقق الجديدة المكتملة المرافق، وخصص للمشروع ميزانية بلغت 5 ملايين جنيه."
وأشار العوني إلى أن السادات وثق هذا المشروع في كتابه "البحث عن الذات"، وتولت شركة المقاولون العرب مهمة التنفيذ والتشييد بقيادة مديرها آنذاك المهندس مصطفى فهمي، وبموافقة ودعم محافظ المنوفية في ذلك العهد المهندس سليمان متولي [2].
وقد شكل السادات مجلساً لإدارة المشروع وجمع التبرعات من لجنة الشؤون الاجتماعية ضم كلاً من: المهندس عثمان أحمد عثمان، والمهندس عبد الحي مشهور، والعقيد سيد عبد الغفار. تولت هذه اللجنة عمل مسح ميداني للأراضي ومتابعة الميزانية بالاستعانة بـ "جمعية تنمية المجتمع" التي أسسها السادات بالقرية لإجراء البحوث الاجتماعية وتحديد أصحاب الأولوية المطلقة للاستحقاق.
شهادة محمود عبد الدايم ومحاولات استكمال الحلم
أوضح الأستاذ محمود عبد الدايم، مدير الوحدة المحلية بالقرية، أن السادات نجح في تسليم 175 شقة كاملة المرافق للأهالي قبل اغتياله، وتأخرت الشقق الـ 23 المتبقية حتى سُلمت عام 2002.
وإلى جانب الوحدات السكنية، أنشأ السادات منظومة خدمية متكاملة بالقرية شملت: مدارس لكافة المراحل التعليمية (ابتدائي، إعدادي، وثانوي)، وحدة محلية، وحدة صحية متطورة، وحدة بيطرية، مبنى للشؤون الاجتماعية، بيت ثقافة، محطة رفع للصرف الصحي، معهداً دينياً أزهرياً، ومقر جمعية تنمية المجتمع.
وأشار عبد الدايم إلى أنه بعد وفاة الرئيس، فكرت إدارة الجمعية بالتعاون مع الوحدة المحلية في تجميع مبالغ مالية من الأهالي واستكمال بناء البلوكات، ولكن الخطة فشلت نظراً لأن المشاريع العمرانية كانت تتطلب تمويلاً ضخماً تفوق قدرة الأهالي الذاتية.
فوزي جاد وكشف لغز الـ 7 ملايين جنيه المجمدة!
من جانبه، كشف الأستاذ فوزي جاد (الموظف بوزارة الشؤون الاجتماعية وجمعية تنمية المجتمع بالقرية) عن مفاجأة مالية كبرى كانت كفيلة باستكمال المشروع:
"أراد السادات لهذا المشروع الاستمرار والتوسع حتى بعد وفاته؛ فبعد اغتياله بست سنوات، تلقينا إخطارات رسمية من 4 فروع للبنك الأهلي المصري (بينها فروع الإسكندرية، القاهرة، والإسماعيلية) تفيد بوجود 7 ملايين جنيه مودعة في حسابات باسم القرية كعوائد لكتابه (البحث عن الذات)."
وأضاف فوزي: "تردد المسؤولون في البداية لتسلم المبالغ، حيث ساد ظن بأن الأموال تخص قرية (ميت أبو الكوم) الواقعة في سيناء وليست قريتنا بالمنوفية. ولكن بعد التحقق، تشكلت لجنة رسمية من القرية ضمت كلاً من: المهندس محمد قنبر، المهندس عبد الله أبو غباري، وحسن محمود محمد أحمد، ومحمد العوني سكرتير الوحدة المحلية الحالي، وذهبوا لتسلم الأموال."
وتابع فوزي: "تم وضع هذه الأموال في البنك لحساب جمعية تنمية المجتمع بميت أبو الكوم، وظلت كوديعة متجمدة لمدة أحد عشر عاماً كاملة دون استغلال، بسبب تخوف وتحفظ الأستاذ حسن محمد أحمد (رئيس مجلس إدارة الجمعية وقتها) من التصرف فيها. ولكن تكاتف مجلس الإدارة لاحقاً لفك تجميد الوديعة بعد نفاد رصيد الجمعية وحاجة القرية الماسة للتنمية."
وأوضح جاد أنهم اشتروا مساحة أرض واسعة باسم الجمعية لاستثمار الوديعة في بناء شقق سكنية جديدة للشباب، وعرض الصندوق الاجتماعي للتنمية المساعدة في التمويل، ولكن كثرة تغيير المحافظين ومجالس الإدارات المتعاقبة حالت دون اكتمال المشروع، وبقيت الأرض فضاء دون استغلال.
أهالي البلوكات: "السادات وفر لنا حياة كريمة"
تتحدث "أم منة"، إحدى قاطنات الشقق التي بناها السادات، عن تجربتها بامتنان قائلة:
"هذه الشقة أنقذتنا ووفرت لنا حياة مريحة؛ كنا نسكن في بيوت مبنية من الطين والطوب النيئ، وسلمنا السادات هذه الشقق بمساحة 100 متر كاملة التشطيب وبكافة مرافقها من مياه وكهرباء مجاناً."
بينما يرى أحد أبناء القرية أن مساحة الشقة (التي تبلغ 90 إلى 100 متر) لا تلائم طبيعة حياة الفلاح وحاجته لتربية الماشية، مما اضطر بعض الأسر قديماً لتحويل صالة الشقة إلى حظيرة للمواشي لعدم وجود مكان بديل.
تظل سيرة بطل الحرب والسلام محمد أنور السادات محفورة في وجدان أهالي ميت أبو الكوم، ويبقى حلمه في بناء قرية نموذجية أمانة معلقة في أعناق المسؤولين لاستكمال ما بدأه الزعيم الراحل من ماله الخاص لخدمة أهله وبلده.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق